التصوّر اليونغياني

علم النفس التحليلي- نظرية كارل غوستاف يونغ 

كَتَب يونغ أنّ "المصطلح المركزي في سيكولوجيتيّ هو مسار التفردية" وأنّه يستخدم مصطلح التفردية للإشارة إلى المسار الذي يصبح خلاله الإنسان وحدة منفصلة وغير قابلة للتجزئة، أي وحدة كاملة متكاملة". أضاف يونغ أنّ "التفردية هي تعبير بيولوجي، بسيط أو مركّب، ومن خلاله يصبح الكائن الحي الكيان الذي تحدد له منذ فجر البدايات".
يرتكز التصوّر اليونغياني على الإدراك بأن النَفس هي في الأساس منظومة ثابتة من المباني المُطلقة (نماذج أصلية) والتي تبنى فوقها طبقات الوعي. من اللاواعي الجماعي وحتى اليقظة الإدراكية.
النماذج الأصلية موجودة في أعماق النفس، ما وراء الثقافة، ولكنها تتخذ مضمونًا تحدده الثقافة والتاريخ الشخصي لكل فرد. هذه المباني ذاتها موجودة في الأصول الجماعية للإنسانية أجمع، ولكنها قابلة للتمييز في مضامين كل مجتمع، ديانة، قومية، قبيلة- وأي مجموعة ذات قواسم مشتركة- مخزون هذه المضامين يُدعى "العقل الباطن الجماعي"، وفقًا ليونغ.

النماذج الأصلية تظهر في اليقظة الذهنية على شكل رموز، خرافات، أساطير واصول ثقافية: أعمال فنية، أفلام، كتب، اعمال مسرحية كُتبت من خلال نفوس الفنانين، غالبًا في العقل الباطن، لإثارة الوعي في نفس الفرد والمجموعة. ويستطيع الفرد اكتشافها في خبايا النفس من خلال الأحلام وطرق التعبير والإبداع.
التفكير اليونغياني لا يلغي التوجهات الأخرى في علم النفس، ولكنه يعتبرها جزءًا من وحدة كاملة. مساهمتها للتوجهات القائمة تكمن في إضافتها للجانب "فوق-الشخصي"، تطوير الأدوات اللازمة لفهم الفرد والعالم، ومعالجة ضائقاته من خلال هذا الفهم.

القوة النفسية التي تحرّك هذا المسار لا ترتبط حصرًا بالبقاء والاستمرارية.
فمواجهة الغرائز وتطوير آليات دفاعية لكبح هذه الغرائز ينجحان في التعامل مع الجوانب الجيدة والسيئة، تذويت العوامل الخارجية والداخلية أو تمكين "الذات الاحتوائية". وفقًا ليونغ، القوة النفسية مكوّنة أيضًا من جانب مُبهم ونشط ومذوّت في النفس البشرية، الهادف إلى تطبيق مسار التفردية. المعاناة والضائقات لَسنَ مجرد تعبيرًا عن الخلل الحاصل في مسار النمو الشخصي، في الحوار مع الآخر وعدم القدرة على التأقلم مع الواقع، إنما أيضًا قوة تعويضية التي تُنتج الإشارات والألم الساعين لتحفيز "الأنا" على الخروج في مسار "التفردية" المعروف أيضًا بـ "الرحلة البطولية". بهذا، استقى هذا التوجّه مداركه من النظريات الروحانية المنبثقة عن الشرق،  الديانات الكبرى، الشامانية ومفهوم التأويل الباطني.
العلاج اليونغياني يتطرّق إلى مختلف مستويات "العقل الباطن"، الفردي والجماعي على حد سواء، مع التركيز على تكيّف الفرد مع عالمه الداخليّ كقاعدة لتطوير علاقة متناغمة مع نفسه ومع محيطه. تفعيل المركّب الباطني في النفس يتطلب التطرّق إلى الضائقات التي بلورت حياة الإنسان، الطفل أو البالغ، كالمعهود في التوجّهات العلاجية المختلفة، ويثير النشاط التلقائي لقوى الشفاء الكامنة في النفس، من خلال تجديد العلاقة مع النماذج الأصلية

لذلك، يستخدم العلاج أدوات علاجية معتمدة في عالم العلاج النفسي، ولكنه يستعين أيضًا بالأحلام وبأشكال تعبيرية أخرى على مختلف مستويات العقل الباطن (الرسم، النحت، الخيال النَشِط)، ولفهمها، نستخدم المعرفة من مجال الميثولوجيا، الأساطير الشعبية، الطقوس الفلكلورية، والفنون التشكيلية والأعمال الأدبية- جميعها تشكّل منصة لتطور الفرد ومواجهته لضائقاته وقدرته على المشاركة في المجتمع التي يعيش وينشط فيها.

بسبب التوجّه واسع النطاق لهذا التصوّر التعددي، فإنّه يشجع المعالِج على تسخير قدراته الشخصية، مهاراته والمعرفة التي اكتسبها في حياته لخدمة العلاج.
إلى جانب مساهمة هذا التوجّه لمجال العلاج النفسي، قدّم علم النفس التحليلي تأويلا للثقافة، الفنون والمسارات الاجتماعية، وكشف عن العلاقات القائمة بين التصوّر المتعلق بالنموذج الأولي والعلم (الفيزياء الكمية، الرياضيات والبيولوجيا العصبية).

هذه المضامين، الموسعة والمطورة على يد أخصائيين نفسيين تحليليين، أتباع يونغ، مُدرجة في البرنامج الدراسي